فصل: سرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان بمكة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة ست من الهجرة

فمما حدث فيها‏:‏

سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر خلون من المحرم سنة ست في ثلاثين راكبًا إلى القرطاء وهم بطن من بني بكر بن كلاب وأمره أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وكمن النهار وأغار عليهم فقتل نفرًا منهم وأخذ ثمامة بن أثال الحنفي وهرب سائرهم واستاق نعمًا وشاء ولم يعرضن للظعن وانحدر إلى المدينة فخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به وفض على أصحابه ما بقي وكانت النعم مائة وخمسين بعيرًا والغنم ثلاثة آلاف شاة وغاب تسع عشرة ليلة وقدم لليلة بقيت من المحرم‏.‏

وفيها‏:‏ قدم مسعود بن رخيلة الأشجعي في سبعمائة من قومه فنزلوا بسلع في صفر فوادعوا رسول الله ووادعهم وفيهم نزلت‏:‏ ‏{‏إذ جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا‏}‏‏.‏

وكانوا بناحية عسفان في ربيع الأول سنة ست وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدًا شديدًا - وكانوا قتلوا في غزاة الرجيع - فأظهر أنه يريد الشام وعسكر لغرة هلال ربيع الأول في مائتي رجل ومعهم عشرون رجلًا واستخلف عبد الله بن أم مكتوم ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران - وبينها وبين عسفان خمسة أميال - حيث كان مصاب أصحابه فترحم عليهم ودعا لهم فسمعت بهم بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال فلم يقدروا منهم على أحد ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم فأتوا الغميم ثم رجعوا ولم يلقوا أحدًا ثم انصرف صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وغاب أربع عشرة ليلة وقال في رجوعه‏:‏ آيبون تائبون لربنا حامدون فكان أول من قالها‏.‏

وفي هذه الغزوة جاز على قبر أمه صلى الله عليه وسلم أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا علي بن محمد العلاف قال‏:‏ أخبرنا علي بن أحمد الحمامي قال‏.‏

أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الحريري قال‏:‏ أخبرنا موسى بن إسحاق الأنصاري قال‏:‏ أخبرنا أبو إبراهيم الترجماني قال‏:‏ حدثنا المشمعل بن ملحان عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ وقف على عسفان فنظر يمينًا وشمالًا فأبصر قبر أمه آمنة فورد الماء فتوضأ ثم صلى ركعتين فلم يفاجئنا إلا ببكائه فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف إلينا فقال‏:‏ ‏"‏ ما الذي أبكاكم قالوا‏:‏ بكيت فبكينا يا رسول الله وقال ‏"‏ وما ظننتم ‏"‏ قالوا‏:‏ ظننا أن العذاب نازل علينا قال‏:‏ ‏"‏ لم يكن من ذلك شيء ‏"‏ قالوا‏:‏ فظننا أن أمتك كلفوا من الأعمال ما لا يطيقون قال‏:‏ ‏"‏ لم يكن من ذلك شيء ولكني مررت بقبر أمي فصليت ركعتين ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها فنهيت فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين واستأذنت ربي أن أستغفر لها فزجرت زجرًا فعلا بكائي ‏"‏ ثم دعى براحلته فركبها فما سارت إلا هينة حتى قامت الناقة بثقل الوحي فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين‏}‏ ‏.‏

إلى آخر الآيتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أشهدكم أني بريء من آمنة كما تبرأ إبراهيم من أبيه ‏"‏‏.‏

ثم كانت

 غزوة الغابة

وهي على بريد من المدينة على طريق الشام في ربيع الأول‏.‏

قالوا‏:‏ كانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهي عشرون لقحة - ترعى بالغابة وكان أبو ذر فيها فأغار عليها عيينة بن حصن ليلة الأربعاء في أربعين فارسًا فاستاقوها وقتلوا راعيها وجاء الصريخ فنادى‏:‏ الفزع الفزع فنودي‏:‏ يا خيل الله اركبي فكان أول ما نودي بها وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فخرج غداة الأربعاء في الحديد مقنعًا فوقف فكان أول من أقبل إليه المقداد بن عمرو وعليه الدرع واليه كفر شاهرًا سيفه فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء في رمحه وقال‏:‏ ‏"‏ امض حتى تلحقك الخيول إنا على أثرك ‏"‏ واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة‏.‏

قال المقداد‏:‏ فخرجت فأدركت أخريات العدو وقد قتل أبو قتادة مسعدة فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه وسلاحه وقتل عكاشة بن محصن أثار بن عمرو بن أثار وقتل المقداد بن عمرو‏:‏ حبيب بن عيينة بن حصن وقرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر‏.‏

وقتل من المسلمين محرز بن نضلة قتله مسعدة‏.‏

وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه فجعل يراميهم بالنبل ويقول‏:‏ خذها وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع حتى انتهى بهم إلى ذي قرد ناحية خيبر مما يلي المستناخ‏.‏

الله إن القوم عطاش فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ملكت فأسجح ‏"‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏ إنهم الآن ليقرون في غطفان ‏"‏‏.‏

وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد فاستنقذوا عشر لقائح وأفلت القوم بما بقي وهي عشر وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد صلاة الخوف وأقام به يومًا وليلة يتحسس الخبر وقسم في كل من أصحابه جزورًا ينحرونها - وكانوا خمسمائة ويقال سبعمائة - وبعث إليه سعد عبادة بأحمال تمر وبعشر جزائر فوافت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي قرد والثبت عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر على هذه السرية سعد بن زيد الأشهلي ولكن الناس نسبوها إلى المقداد لقول حسان بن ثابت‏:‏ غداة فوارس المقداد فعاتبه سعد بن زيد فقال‏:‏ اضطرني الروي إلى المقداد‏.‏

ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم الاثنين وقد غاب خمس ليال‏.‏

إلى الغمر غمر مرزوق وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد طريق الأول إلى المدينة وكانت في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن إلى الغمر في أربعين رجلًا فخرج سريعًا يغذ السير ونذر به القوم فهربوا فنزلوا علياء بلادهم ووجدوا دارهم خالية فبعث شجاع بن وهب طليعة فرأى أثر النعم فتحملوا فأصابوا ربيئة لهم فأمنوه فدلهم على نعم لبني عم له فأغاروا عليها فاستاقوا مائتي بعير فأرسلوا الرجل وحدروا النعم إلى المدينة‏.‏

وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا كيدًا‏.‏

ثم كانت

 سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة

في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحمد بن مسلمة إلى بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة - وهم بذي القصة وبينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلًا طريق الربذة - في عشرة نفر فوردوا عليهم ليلًا فأحدق به القوم وهم مائة رجل فتراموا ساعة من الليل ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم فوقع محمد بن مسلمة جريحًا فضرب كعبه فلا يتحرك وجردوهم من الثياب‏.‏

ومر بمحمد بن مسلمة رجل من المسلمين فحمله حتى ورد به المدينة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلًا إلى مصارعهم فلم يجدوا أحدًا ووجدوا نعمًا وشاء فساقه ورجع‏.‏

ثم كانت

 سرية أبي عبيدة إلى ذي القصة

أيضًا في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قالوا‏:‏ أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين - والمراض على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة - فسارت بنو محاربة وثعلبة وأنمار إلى تلك السحاب وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة وهو يرعى بهيفا - موضع على سبعة أميال من المدينة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلًا من المسلمين حين صلوا المغرب فمشوا ليلتهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربًا في الجبال وأصاب رجلًا واحدًا فأسلم فتركه وأخذ نعمًا من نعمهم فاستاقه ورثة من متاعهم وقدم بذلك المدينة فخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم ما بقي عليهم‏.‏

بالجموم في شهر ربيع الآخر سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى بني سليم فسار حتى ورد الجموم ناحية بطن نخل عن يسارها - وبطن نخل من المدينة على أربعة برد - فأصابوا عليه امرأة من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة من محال بني سليم فأصابوا في تلك المحلة نعمًا وشاء وأسرى‏.‏

وكان فيهم زوج حليمة المزنية فلما قفل زيد بن حارثة بما أصاب وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة نفسها وزوجها فقال بلال بن الحارث المزني في ذلك شعرًا‏:‏ لعمرك ما أخنى المسول ولا ونت حليمة حتى راح ركبهما معًا ثم كانت سرية زيد بن حارثة أيضًا إلى العيص وبينها وبين المدينة أربع ليال في جمادى الأولى سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيرًا لقريش قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكبًا يتعرض لها فأخذوها وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة وكانت لصفوان بن أمية وأسروا ناسًا ممن كان في العير منهم أبو العاص بن الربيع وقدم بهم إلى المدينة فاستجار أبو العاص بن الربيع بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجارته ونادت في الناس حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر‏:‏ إني أجرت أبا العاص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ وما علمت بشيء من هذا وقد أجرنا من أجرت ‏"‏ ورد عليه ما أخذ منه‏.‏

ثم كانت

 سرية زيد بن حارثة أيضًا إلى الطرف

في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

روى ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة إلى الطرف - وهو ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة طريق النقرة على المحجة فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلًا فأصاب نعمًا وشاء وهربت الأعراب وصبح زيد بالنعم المدينة وهي عشرون بعيرًا ولم يلق كيدًا وغاب أربع ليال وكان شعارهم‏:‏ ‏"‏ أمت أمت ‏"‏‏.‏

في هذا الشهر إلى حسمى وهي وراء وادي القرى في جمادى الآخرة سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ذكر ابن سعد أن دحية بن خليفة الكلبي أقبل من عند قيصر وقد أجازه وكساه فلقيه الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في ناس من جذام بحسمى فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا عليه إلا سمل ثوب فسمع بذلك نفر من بني الضبيب فنفروا إليهم فاستنقذوا لدحية متاعه وقدم دحية على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية وكان زيد يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل له من بني عذرة فأقبل بهم حتى هجم بهم مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم فقتلوا فيهم فأوجعوا وقتلوا الهنيد وابنه وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم فأخذوا من النعم ألف بعير ومن الشاء خمسة آلاف شاة ومن السبي مائة من النساء والصبيان‏.‏

فرحل زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه الذي كتب له ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم وقال‏:‏ يا رسول الله لا تحرم علينا حلالًا ولا تحل حرامًا فقال‏:‏ كيف أصنع بالقتلى فقال أبو يزيد بن عمرو‏:‏ أطلق لنا يا رسول من كان حيًا ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ صدق أبو يزيد ‏"‏ فبعث معهم عليًا رضي الله عنه إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم فتوجه علي رضي الله عنه فلقي رافع بن مكيث الجهني بشير زيد بن حارثة على ناقة من إبل القوم فردها علي على القوم ولقي زيدًا بالفحلتين وهي بين المدينة وذي المروة فأبلغه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فردوا إلى الناس كل ما كان أخذ منهم‏.‏

ثم كانت

 سرية زيد بن الحارث أيضًا إلى وادي القرى

في رجب سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث زيدًا أميرًا سنة ست‏.‏

ثم كانت

 سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل

في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عبد الرحمن بن عوف فأقعده بين يديه وعممه بيده وقال‏:‏ ‏"‏ اغز بسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله لا تغل ولا تغدر ولا تقتل وليدًا ‏"‏ وبعثه إلى كلب بدومة الجندل فقال‏:‏ إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم‏.‏

فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي وكان نصرانيًا وكان رأسهم وأسلم معه ناس كثير من قومه وأقام من أقام على إعطاء الجزية وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ فقدم بها إلى المدينة وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن‏.‏

ثم كانت

 سرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بني سعد بن بكر بفدك

في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن لهم جمعًا يريدون أن يمدوا يهود خيبر فبعث إليهم عليًا رضي الله عنه قي مائة رجل فسار الليل وكمن النهار حتى انتهى إلى الهمج - وهو ما بين خيبر وفدك وبين فدث والمدينة ست ليال - فوجدوا به رجلًا فسألوه عن القوم فقال‏:‏ أخبركم على أنكم تؤمنوني فآمنوه فدلهم فأغاروا عليهم فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة وهربت بنو سعد بالظعن ورأسهم وبر بن عليم فعزل علي رضي الله عنه صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوحًا تدعى الحفذة ثم عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه وقدم المدينة ولم يلق كيدًا‏.‏

ثم كانت

 سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادي القرى

على سبع ليال من المدينة في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ذكر ابن سعد أن زيد بن حارثة خرج في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان دون وادي القرى لقيه قوم من فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه وأخذوا ما كان معهم‏.‏

ثم استبل زيد وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فكمنوا النهار وساروا الليل أو نذرت بهم بنو بدر ثم صبحهم زيد وأصحابه فكبروا وأحاطوا بالحاضر وأخذوا أم قرفة وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر وابنتها جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر وكان الذي أخذ الجارية مسلمة بن الأكوع فوهبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لحزن بن أبي وهب‏.‏

وعمد قيس بن المحسر إلى أم قرفة - وهي عجوز كبيرة - فقتلها قتلًا عنيفًا ربط بين رجليها حبلًا ثم ربطها بين بعيرين ثم زجرهما فذهبا فقطعاها‏.‏

وقتل النعمان وعبيد الله ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر‏.‏

وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك فقرع باب النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه عريانًا يجر ثوبه حتى اعتنقه وقبله وسايله فأخبره بما ظفره الله عز وجل به‏.‏

ثم كانت سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النضري بخيبر في شهر رمضان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ذكر ابن سعد أنه كان أبو رافع بن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب وجعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث النبي الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك وعبد الله بن أنيس وأبا قتادة والأسود بن خزاعى ومسعود بن سنان‏.‏

وأمرهم بقتله‏.‏

فذهبوا إلى خيبر فكمنوا فلما هدأت الرجل جاؤوا إلى محله فصعدوا درجة له فقدموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية فاستفتح وقال‏:‏ جئت أبا رافع بهدية ففتحت له امرأته فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشار إليها بالسيف فسكتت فدخلوا عليه فما عرفوه إلا ببياضه كأنه قبطية فعلوه بأسيافهم‏.‏

قال ابن أنيس‏:‏ وكنت رجلًا أعشى لا أبصر فاتكأت بسيفي على بطنه حتى سمعت خسه في الفراش وعرفت أنه قد قضي عليه وجعل القوم يضربونه جميعًا ثم نزلوا فصاحت امرأته فتصايح أهل الدار واختبأ القوم في بعض مناهر خيبر وخرج الحارث أبو زينب في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران فلم يروهم فرجعوا‏.‏

ومكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب ثم خرجوا مقبلين إلى المدينة كلهم يدعي قتله فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏"‏ أفلحت الوجوه ‏"‏ فقالوا‏:‏ أفلح وجهك يا رسول الله وأخبروه خبرهم فأخذ أسيافهم فنظر إليها فإذا أثر الطعام في ذباب سيف عبد الله بن أنيس فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ هذا قتله ‏"‏‏.‏

ثم كانت

 سرية عبد الله بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي بخيبر

في شوال سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق أمرت يهود عليهم أسير بن زارم فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فوجه عبد الله بن رواحة في ثلاثة نفر في شهر رمضان سرًا فسأل عن خبره وغرته فأخبر بذلك فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فانتدب له ثلاثون رجلًا فبعث عليهم عبد الله بن رواحه فقدموا على أسير فقالوا‏:‏ نحن آمنون حتى نعرض عليك ما جئنا له قال‏:‏ نعم ولي منكم مثل ذلك فقالوا‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا إليك لتخرخ إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك فطمع في ذلك فخرج وخرج معه ثلاثون من يهود مع كل رجل رديف من المسلمين حتى إذا كنا بقرقرة ثبار ندم أسير فقال عبد الله بن أنيس وكان في السرية‏:‏ وأهوى بيده إلى سيفي ففطنت له ودفعت بعيري وقلت‏:‏ غدرًا أي عدو الله أفعل ذلك مرتين فنزلت فسقت بالقوم حتى انفرد لي أسير فضربته بالسيف فأندرت عامة فخذه وساقه وسقط عن بعيره وبيده مخرش من شوحط فضربني فشجني مأمومة وملنا على أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدًا ولم يصب من المسلمين أحد ثم أقبلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثناه الحديث فقال‏:‏ ‏"‏ قد نجاكم الله من القوم الظالمين ‏"‏‏.‏

إلى العرنيين في شوال قالوا‏:‏ قدم نفر من عرينة ثمانية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا واستوبأوا المدينة فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه وكانت على ستة أميال من المدينة وكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا فاستاقوها وقتلوا الراعي وقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فبعث في أثرهم عشرين فارسًا واستعمل عليهم كرزًا فأدركوهم وأحاطوا بهم وأسروهم وربطوهم حتى قدموا بهم المدينة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة فخرجوا بهم نحوه فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وصلبوا هناك وكانت اللقاح خمس عشرة لقحة فردوها إلا واحدة نحروها‏.‏

أخبرنا هبة الله بن محمد قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي التميمي قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن مالك قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال‏:‏ أسلم ناس من عرينة فاجتووا المدينة فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لو خرجتم إلى ذود لنا فشربتم من ألبانها ‏"‏ قال حميد‏:‏ وقال قتادة عن أنس‏:‏ ‏"‏ وأبوالها ‏"‏ ففعلوا فلما صحوا كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنًا أو مسلمًا وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم وهربوا محاربين فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا‏.‏

أخرجاه في الصحيحين‏.‏

ثم كانت

 سرية عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان بمكة

وكان سبب ذلك أن أبا سفيان قال لنفر من قريش‏:‏ ألا رجل يغتال محمدًا فإنه يمشي في الأسواق فقال له رجل من العرب‏:‏ إن قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر فأعطاه بعيرًا ونفقة فخرج ليلًا فسار على راحلته خمسًا وصبح ظهر الحرة صبح سادسة وأقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دل عليه فعقل راحلته ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد في مسجد بني عبد الأشهل فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن هذا ليريد غدرًا ‏"‏ فذهب ليجني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره فإذا بالخنجر فسقط في يديه وقال‏:‏ دمي دمي فأخذ أسيد بلبته فدعته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أصدقني ‏"‏ فأخبره الخبر وأسلم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم إلى أبي سفيان وقال‏:‏ إن أصبتما منه غرة فاقتلاه فدخلا مكة فمضى عمرو يطوف بمكة ليلًا فرآه معاوية فعرفه فأخبر قريشًا بمكانه فطلبوه وكان فاتكًا في الجاهلية - فهرب هو وسلمة فلقي عمرو بن عبيد الله بن مالك فقتله وقتل آخر من بني الديل سمعه يقول‏:‏ ولست بمسلم ما دمت حيًا ولست أدين دين المسلمين ولقي رسولين لقريش بعثتهما يتحسسان الخبر فقتل أحدهما وأسر الآخر فقدم به المدينة وجعل يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره والنبي صلى الله عليه وسلم يضحك‏.‏

هذا قول محمد بن سعد كاتب الواقدي‏.‏

وذكر ابن إسحاق عن أشياخه‏:‏ إن هذا كان في سنة أربع وأن عمرو بن أمية قال‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل خبيب وأصحابه وبعث معي رجلًا من الأنصار فقال‏:‏ ائتيا أبا سفيان فاقتلاه فخرجنا وليس مع صاحبي بعير فلما وصلنا عقلت بعيري وقلت لصاحبي إني أريد أن أقتل أبا سفيان فإن أصبت شيئًا فالحق ببعيري فاركبه والحق بالمدينة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فلما دخلنا مكة قال لي صاحبي هل لك أن تطوف فقلت‏:‏ أنا أعلم بأهل مكة منك فلم يزل بي حتى طفنا فمررنا بمجلس فعرفني رجل منهم فصاح بأعلى صوته‏:‏ هذا عمرو بن أمية الضمري فتبادر أهل مكة قالوا‏:‏ والله ما جاء عمرو لخير فقاموا في طلبي فقلت لصاحبي‏:‏ النجاء فهذا الذي كنت أخاف وليس إلى الرجل سبيل فانج بنفسك فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في الجبل فدخلنا غارًا فبتنا فيه ليلتنا فأعجزناهم فرجعوا فإذا عثمان بن مالك التميمي قد وقف بباب الغار فخرجت إليه فوجأته بخنجر معي فصاح صيحة أسمع أهل مكة فأتوا إليه ورجعت إلى مكاني فجاؤوه وبه رمق فقالوا‏:‏ ويلك من قال‏:‏ عمرو بن أمية ثم مات ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا فقالوا‏:‏ والله لقد علمنا أنه ما جاء لخير فاشتغلوا بصاحبهم فأقمنا في الغار يومين ثم خرجنا إلى التنعيم فإذا خشبة خبيب وحوله من يحرسه فقلت للأنصاري‏:‏ إن خشيت فخذ الطريق إلى جملي فاركبه والحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر واشتددت إلى خشبته فاحتللته واحتملته على ظهري فوالله ما مشيت به إلا نحو ذراعين حتى نذروا بي فطرحته فما أنسى وجبته حين سقط فاشتدوا في أثري فأخذت طريق الصفراء فرجعوا وانطلق صاحبي فركب بعيري ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر وأقبلت أمشي حتى أشرفت على ضجنان فدخلت غارًا فدخل علي رجل من بني الديل فقال‏:‏ من الرجل فقلت‏:‏ من بني بكر قال‏:‏ وأنا من بني بكر ثم اضطجع معي ثم رفع عقيرته يتغنى ويقول‏:‏ ولست بمسلم ما دمت حيًا ولست أدين دين المسلمين فقلت‏:‏ سوف تعلم فنام فقمت فقتلته شر قتلة وخرجت فلقيت رجلين من قريش يتحسسان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ استأسرا فقالا‏:‏ أنحن نستأسر لك فرمت أحدهما بسهم فقتلته ثم قلت للآخر‏:‏ استأسر فاستأسر فأوثقته فقدمت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شددت إبهامه بوتر قوسي فنظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ودعا لي بخير‏.‏

وفي هذه السنة كانت

 غزوة الحديبية

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج للعمرة في ذي القعدة سنة ست فاستنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج معه فأسرعوا وتهيأوا ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته فاغتسل ولبس ثوبين وركب راحلته القصواء وخرج في يوم الاثنين لهلال ذي القعدة واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم ولم يخرج بسلاح إلا السيوف في القرب وساق بدنًا وساق أصحابه أيضًا بدنًا فصلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بالبدن التي ساق فجللت ثم أشعرها في الشق الأيمن وقلدها وأشعر أصحابه أيضًا وهي سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل الذي غنمه يوم بدر ليغيظ المشركين‏.‏

بذلك وأحرم ولبى وقدم عباد بن بشر أمامه طليعة في عشرين فرسًا من خيل المسلمين وفيهم رجال من المهاجرين والأنصار وخرج معه من المسلمين ألف وستمائة ويقال‏:‏ ألف وأربعمائة ويقال‏:‏ ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلًا وأخرج معه زوجته أم سلمة رضي الله عنها وبلغ المشركين خروجه فأجمعوا رأيهم على صده عن المسجد الحرام وعسكروا ببلدح وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم وعليهم خالد بن الوليد ويقال‏:‏ عكرمة بن أبي جهل ودخل بسر بن سفيان الخزاعي مكة فسمع كلامهم وعرف رأيهم فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه بغدير الأشطاط من وراء عسفان فأخبره بذلك‏.‏

ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر فتقدم في خيله فأقام بإزائه وصف أصحابه وحانت صلاة الظهر وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الخوف وسار حتى دنا من الحديبية - وهي طرف الحرم على تسعة أميال من مكة - فوقفت به راحلته على ثنية تهبط على غائط القوم فبركت‏.‏

فقال المسلمون‏:‏ حل حل يزجرونها فأبت فقالوا‏:‏ خلأت القصواء فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل أما والله لا يسألوني اليوم خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها ‏"‏ ثم زجرها فقامت فولى راجعًا عوده على بدئه حتى نزل بالناس على ثمد من أثماد الحديبية قليل الماء فانتزع سهمًا من كنانته فغرزه فيها فجاشت لهم بالرواء حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر‏.‏

ومطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية مرارًا وكثرت المياه‏.‏

وجاءه بديل بن ورقاء وركب معه فسلموا وقالوا‏:‏ جئناك من عند قومك‏:‏ كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم معهم العوذ والمطافيل والنساء والصبيان يقسمون يخلون بينه وبين البيت حتى تبيد خضراؤهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لم نأت لقتال وإنما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قتلناه ‏"‏‏.‏

فرجع بديل فأخبر بذلك قريشًا فبعثوا عروة بن مسعود الثقفي فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك فأخبر قريشًا فقالوا‏:‏ نرده عن البيت في عامنا ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت‏.‏

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش خراش بن أمية ليخبرهم بما جاء له فأرادو فمنعه من هناك من قومه فأرسل عثمان بن عفان فقال‏:‏ اذهب إلى قريش فأخبر لم نأت لقتال أحد وإنما جئنا زوارًا لهذا البيت معظمين لحرمته معنا الهدي وننصرف فأتاهم وأخبرهم فقالوا‏:‏ لا كان هذا أبدًا ولا يدخلها العام‏.‏

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل فذلك حين دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان فبايعهم تحت الشجرة وبايع لعثمان فضرب بشماله على يمينه لعثمان إنه ذهب في حاجة الله ورسوله‏.‏

وجعلت الرسل تختلف بينهم فأجمعوا على الصلح فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة رجالهم فصالحه على ذلك وكتبوا بينهم‏:‏ ‏"‏ وهذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو واصطلحا على الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه لا إسلالًا ولا إغلال وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم فعل وأنه من أتى محمدًا منهم بغير إذن وإليه وأنه من أتى قريشًا من أصحاب محمد لم يردوه وأن محمدًا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه ويدخل علينا قابلًا في أصحابه فيقيم بها ثلاثًا لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر السيوف في القرب‏.‏

شهد أبو بكر وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وابن أبي وقاص وعثمان وأبو عبيدة وابن مسلمة وحويطب ومكرز‏.‏

وكتب علي صدر هذا الكتاب فكان هذا الكتاب عند النبي صلى الله عليه وسلم ونسخته عند سهيل بن عمرو‏.‏

وخرج أبو جندل بن سهيل من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يرسف في الحديد فقال سهيل‏:‏ هذا أول ما أقاضيك عليه فرده النبي صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ يا أبا جندل قد تم الصلح بيننا فاصبر حتى يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا‏.‏

ووثبت خزاعة فقالوا‏:‏ نحن ندخل في عهد محمد وعقده ووثبت بنو بكر فقالوا‏:‏ نحن ندخل في عهد قريش وعقدها فلما فرغوا من الكتاب انطلق سهيل وأصحابه ونحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه حلقه خراش بن أمية الخزاعي ونحر أصحابه وحلق عامتهم وقصر الآخرون‏.‏

فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ رحم الله المحلقين ‏"‏ ثلاثًا‏.‏

قيل‏:‏ يا رسول الله والمقصرين قال‏:‏ ‏"‏ والمقصرين فأقام صلى الله عليه وسلم بالحديبية بضعة وعشرين يومًا ‏"‏ وقيل‏:‏ عشرين ليلة ثم انصرف صلى الله عليه وسلم فلما كان بضجنان نزل عليه‏:‏ ‏{‏إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا‏}‏‏.‏

فقال‏:‏ جبريل عليه السلام يهنئك يا رسول الله وهنأه المسلمون‏.‏

فلما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة جاءه أبو بصير رجل من قريش وقد أسلم فبعثوا رجلين في طلبه فرده معهما فقتل أحدهما في الطريق وهرب الآخر فقدم أبو بصير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ وفيت بذمتك يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ويل أمه مسعر حرب ‏"‏ ففهم أنه سيرده فذهب إلى ساحل البحر فجلس في طريق قريش وخرج إليه جماعة ممن كان محبوسًا بمكة منهم‏:‏ أبو جندل‏.‏

فصاروا نحوًا من سبعين وكانوا يعترضون أموال قريش فأرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشدونه أن يرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا المدينة‏.‏

وفي هذه الهدنة‏:‏ هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط - وكانت قد أسلمت وبايعت بمكة - فخرجت في زمن الهدنة وهي أول من هاجر من النساء فخرجت وحدها وصاحبت رجلًا - من خزاعة حتى قدمت المدينة‏.‏

فخرج في أثرها أخواها‏:‏ الوليد وعمارة ابنا عقبة حتى قدما المدينة فقالا‏:‏ يا محمد فلنا بشرطنا فقالت أم كلثوم‏:‏ يا رسول الله أنا امرأة وحال النساء في الضعف ما قد علمت فتردني إلى الكفار فيفتنوني عن ديني ولا صبر لي فنقض الله العهد في النساء في صلح الحديبية وأنزل فيهن المحنة وحكم في ذلك بحكم رضوه كلهم ونزل في أم كلثوم‏:‏ ‏"‏ فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن ‏"‏‏.‏

فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتحن النساء بعدها يقول‏:‏ ‏"‏ والله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله والإسلام ما خرجتن لزوج ولا مال ‏"‏ فإذا قلن ذلك تركن ولم يرددن إلى أهليهن‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أحمد قال‏:‏ أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا الفضل بن دكين قال‏:‏ حدثنا شريك عن أبي إسحاق قال‏:‏ سمعت البراء يقول‏:‏ كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وكذلك قول معقل بن يسار وجابر في العدد‏.‏

وقال جابر في رواية‏:‏ كنا ألفًا وخمسمائة‏.‏

وقال عبد الله بن أبي أوفى‏:‏ كنا يومئذ ألفًا وثلاثمائة‏.‏

وفي أفراد مسلم حديث ابن الأكوع قال‏:‏ قدمت الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاة ما نرويها فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جباها فإما دعا وإما بزق فجاشت فسقينا واستقينا‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن معروف قال‏:‏ أخبرنا ابن أبي أسامة قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن موسى قال‏:‏ أخبرنا إسرائيل عن طارق قال‏:‏ انطلقت حاجًا فمررت بقوم يصلون فقلت‏:‏ ما هذا المسجد قالوا‏:‏ هذه الشجرة حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال‏:‏ حدثني أبي أنه كان فيمن بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال‏:‏ فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها‏.‏

قال سعيد‏:‏ إن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ وأخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن عوف عن نافع قال‏:‏ كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها‏:‏ شجرة الرضوان فيصلون عندها فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت‏.‏

وفي عمرة الحديبية أصاب كعب بن عجرة الأذى في رأسه وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هديه واسمه ناجية بما عطب من الهدي أن ينحره وأن يغمس نعله في دمه‏.‏

وفيها‏:‏ صاد أبو قتادة حمار وحش‏.‏

وفيها‏:‏ مطر الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أصبح الناس رجلان‏:‏ مؤمن بالله كافر بالكواكب وكافر بالله مؤمن بالكواكب ‏"‏‏.‏

وفيها‏:‏ هبط قوم ليغتالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وفي إفراد مسلم من حديث أنس قال‏:‏ لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون من أهل مكة في السلاح من قبل التنعيم يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم فأخذوا ونزلت‏:‏ ‏"‏ وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة ‏"‏‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ ذبح عويم بن أشقر أضحيته قبل أن يغدو فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد‏.‏

قال أبو الحسن المدائني‏:‏ ووقع في هذه السنة طاعون وهو أول طاعون كان‏.‏

وفى هذه السنة‏:‏

 بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل

ستة نفر فخرجوا مصطحبين في ذي الحجة‏:‏ حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر وعبد الله بن حذافة إلى كسرى وعمرو بن أمية إلى النجاشي وشجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني وسنيط بن عمر و العامري إلى هوذة بن علي الحنفي‏.‏

ذكر ما جرى من هؤلاء الملوك حين بعث إليهم

قال مؤلف الكتاب‏:‏ أما المقوقس فإنه لما وصل إليه حاطب بن أبي بلتعة أكرمه وأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب في جوابه‏:‏ ‏"‏ قد علمت أن نبيًا قد بقي وقد أكرمت رسولك ‏"‏ وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار منهن مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمارًا يقال له‏:‏ عفير وبغلة يقال لها‏:‏ الدلدل ولم يسلم‏.‏

فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هديته وقال‏:‏ ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه ‏"‏‏.‏

واصطفى مارية لنفسه وأما الحمار فنفق في منصرفة من حجة الوداع وأما البغلة فبقيت إلى زمن معاوية‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا ابن حيويه قال أخبرنا أحمد بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحارث بن أبي أسامة قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ أخبرنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال‏:‏ لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية وكتب إليه معه كتابًا يدعوه إلى الإسلام فلما قرأ الكتاب قال له خيرًا وأخذ الكتاب - وكان مختومًا - فجعله في حق من عاج وختم عليه ودفعه إلى جارية له وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم جواب كتابه ولم يسلم وأهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ إلا أن هذه الهدية وصلت في سنة سبع وسنذكر هذا‏.‏

وأما قيصر وهو هرقل ملك الروم فإنه كان قد ظهر على من كان بأرضه من فارس وأخرجهم منها وانتزع له منهم صليبه الأعظم وكانوا قد استلبوه إياه فخرج من حمص يمشي على قدميه‏.‏

شكرًا لله حين رد عليه ما رد تبسط له البسط وتلقى عليها الرياحين حتى انتهى إلى إيلياء وقضى فيها صلاته وأنه أصبح يومًا مهمومًا يقلب طرفه في السماء فقالت له بطارقته‏:‏ لقد أصبحت أيها الملك مهمومًا قال‏:‏ أجل أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر قالوا‏:‏ ما تعلم أمة تختتن إلا يهود وهم في سلطانك وتحت يدك فابعث إلى من لك عليه سلطان في بلادك فمره أن يضرب أعناق من تحت يده من يهود واسترح من هذا الهم فبينما هم في ذلك من رأيهم أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده فقال‏:‏ أيها الملك إن هذا من العرب يحدث عن أمر يحدث ببلاده عجب قال هرقل لترجمانه‏:‏ سله ما هذا الحدث الذي كان ببلاده فسأله فقال‏:‏ خرج من بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي فاتبعه ناس وخالفه آخرون وكانت بينهم ملاحم فتركتهم على ذلك فقال‏:‏ جردوه فجردوه فإذا هو مختون فقال هرقل‏:‏ هذا والله الذي رأيت أعطوه ثوبه انطلق عنا ثم دعى صاحب شرطته فقال‏:‏ قلب لي الشام ظهرًا وبطنًا حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل - يعني النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال أبو سفيان‏:‏ وكنت قد خرجت في تجارة في زمان الهدنة فهجم علينا صاحب شرطته فقال‏:‏ أنتم قوم هذا الرجل قلنا‏:‏ نعم فدعانا‏.‏

أخبرنا هبة الله بن محمد بن عبد الواحد قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي التميمي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ حدثنا يعقوب قال‏:‏ أخبرنا ابن أخي الزهري عن الزهري قال‏:‏ أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه مع دحية الكلبي وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر فدفعه عظيم بصرى وكان قيصر لما كشف الله قال عبد الله بن عباس‏:‏ فلما جاء قيصر كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين قرأه‏:‏ التمسوا لي من قومه من أسأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ فأخبرني أبو سفيان صخر بن حرب أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تجارًا وذلك في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش‏.‏

فقال أبو سفيان‏:‏ فأتى رسول قيصر فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيليا فأدلجنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه عليه التاج وإذا حوله عظماء الروم فقال لترجمانه‏:‏ سلهم أيهم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قال أبو سفيان‏:‏ فقلت‏:‏ أقربهم إليه نسبًا قال‏:‏ ما قرابتك منه قال‏:‏ قلت‏:‏ هو ابن عمي‏.‏

قال أبو سفيان‏:‏ وليس في الركب يومئذ من بني عبد مناف غيري‏.‏

قال‏:‏ فقال قيصر‏:‏ أدنوه مني ثم أمر بأصحابي فجعلوا خلف ظهري عند كتفي ثم قال لترجمانه‏:‏ قل لأصحابه إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي فإن كذب فكذبوه‏.‏

قال أبو سفيان‏:‏ فوالله لو لا استحيائي يومئذ أن يأثر أصحابي عني الكذب لكذبته حين سألني ولكني استحييت أن يأثروا عني الكذب فصدقته عنه ثم قال لترجمانه قل له كيف نسب هذا الرجل فيكم قال قلت‏:‏ هو فينا ذو نسب قال‏:‏ فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله قال‏:‏ قلت‏:‏ لا قال‏:‏ فهل كان من آبائه من ملك قال‏:‏ قلت‏:‏ لا قال‏:‏ فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم قال‏:‏ قلت بل ضعفاؤهم قال‏:‏ فيزيدون أم ينقصون قال‏:‏ قلت‏:‏ بل يزيدون قال‏:‏ فهل يرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه قلت‏:‏ لا قال‏:‏ فهل يغدر قال‏:‏ قلت لا ونحن الآن منه في مدة ونحن نخاف ذلك‏.‏

قال‏:‏ قال أبو سفيان‏:‏ ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا أنتقصه به غيرها لا أخاف أن أثروا عني‏.‏

قال‏:‏ فهل قاتلتموه أو قاتلكم قال‏:‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏

قال‏:‏ كيف كانت حربكم وحربه قال‏:‏ قلت‏:‏ كانت دولا سجالًا أتدال عليه المرة ويدال علينا الأخرى قال‏:‏ فبم يأمركم قال‏:‏ قلت‏:‏ يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة قال‏:‏ فقال لترجمانه حين قلت له ذلك‏:‏ قل له إني سألتك عن نسبه فيكم فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها وسألتك هل قال هذا القول أحد منكم قط قبله فزعمت أن لا‏.‏

فقلت‏:‏ لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله قلت‏:‏ رجل يأتم بقول قيل قبله وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فزعمت أن لا فقد عرفت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى وسألتك هل كان من آبائه من ملك فزعمت أن لا فقلت‏:‏ لو كان من آبائه ملك قلت‏:‏ رجل يطلب ملك آبائه وسألتك أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل وسألتك‏:‏ هل يزيدون أم ينقصون فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب لا يسخطه أحد وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا وكذلك الرسل وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم فزعمت أن قد فعل وأن حربكم وحربه يكون دولًا يدال عليكم المر الدالون عليه الأخرى وكذلك الرسل تبتلى ويكون لها العاقبة وسألتك بماذا يأمركم فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله عز وجل وحده لا تشركوا به شيئًا وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ويأمركم بالصدق والصلاة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وهذه صفة نبي قد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أظن أنه منكم فإن يكن ما قلت فيه حقًا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين والله لو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقيه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه‏.‏

قال أبو سفيان‏:‏ ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به فقرئ فإذا فيه‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏

من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد‏.‏

فإني أدعوك بداعية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فعليك إثم الأريسيين - يعني الأكارة ‏"‏ يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ‏"‏‏.‏

قال أبو سفيان فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من علماء الروم وكثر لغطهم فلا أدري ماذا قالوا‏.‏

وأمر بنا فأخرجنا‏.‏

قال أبو سفيان‏:‏ فلما خرجت مع أصحابي وخلصت قلت لهم‏:‏ أمر أمر ابن أبي كبشة هذا ملك بني الأصفر يخافه‏.‏

قال أبو سفيان‏:‏ فوالله ما زلت ذليلًا مستيقنًا أن أمره سيظهر حتى أدخل الله عز وجل قلبي الإسلام وأنا كاره‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وروينا عن الزهري قال‏:‏ حدثني أسقف النصارى‏:‏ أن هرقل قدم عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله بين فخذيه وخاصرته‏.‏

ثم كتب إلى رجل برومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرؤونه يخبره بما جاء إليه صاحب رومية‏:‏ إنه للنبي الذي كنا ننتظر لا شك فيه فاتبعه وصدقه‏.‏

فأمر ببطارقة الروم فجمعوا له في دسكرة فأشرجت أبوابها عليهم ثم اطلع عليهم من علية له وقد خافهم على نفسه وقال‏:‏ يا معشر الروم إنه قد أتاني هذا الرجل يدعوني إلى دينه فنخروا نخرة رجل واحد ثم ابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها قد أغلقت فقال‏:‏ ردوهم ثم قال‏:‏ يا معشر الروم إنما قلت لكم ما قلت لأنظر كيف صلابتكم على دينكم وقد رأيت منكم الذي أسر به فوقعوا له سجودًا وانطلقوا‏.‏

وروى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم أن هرقل قال لدحية‏:‏ والله إني لأعلم إن صاحبك نبي مرسل وإنه الذي كنا ننتظره ولكني أخاف الروم على نفسي ولو لا ذلك لاتبعته فاذهب إلى فلان الأسقف فاذكر له أمر صاحبك فهو والله أعظم في الروم مني‏.‏

فجاءه دحية فأخبره فقال له‏:‏ صاحبك والله نبي مرسل نعرفه‏.‏

ثم دخل فألقى ثيابًا سودًا كانت عليه ولبس ثيابًا بيضاء ثم خرج فقال‏:‏ قد جاءنا كتاب من أحمد يدعونا فيه إلى الله عز وجل وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله‏.‏

فوثبوا عليه وثبة رجل واحد فضربوه حتى قتلوه‏.‏

فرجع دحية فأخبر هرقل فقال‏:‏ قد قلت ذلك إنا نخافهم على أنفسنا‏.‏

وذكر ابن إسحاق عن خالد بن يسار عن رجل من قدماء أهل الروم قال‏:‏ لما أراد هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينية لما بلغه من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الروم وقال‏:‏ إني عارض عليكم أمورًا فانظروا فيم قد أردتها قالوا‏:‏ وما هي قال‏:‏ تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسل نجده في كتبنا ونعرفه بصفته فهلم نتبعه‏.‏

فقالوا‏:‏ نكون تحت أيدي العرب قال‏:‏ فأعطيه الجزية كل سنة اكسروا عني شوكته وأستريح من حربه قالوا‏:‏ نعطي العرب الذل والصغار لا والله قال‏:‏ فأعطيه أرض سورية - وهي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وما دون الدرب - قالوا‏:‏ لا نفعل قال‏:‏ أما والله لترون أنكم قد ظفرتم إذا امتنعتم منه في مدينتكم‏.‏

ثم جلس على بغل له فانطلق حتى إذا أشرف على الدرب استقبل أرض الشام فقال‏:‏ السلام عليك أرض سورية سلام الوداع ثم ركض يطلب القسطنطينية‏.‏

وأما كسرى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه بكتاب مع عبد الله بن حذافة‏.‏

أخبرنا ابن الحصين أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا سليمان بن داود قال‏:‏ أخبرنا إبراهيم بن سعد قال حدثني صالح بن كيسان وابن أخي ابن شهاب كلاهما عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى فدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه كسرى خرقه‏.‏

قال ابن شهاب‏:‏ فحسبت ابن المسيب قال‏:‏ فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يمزقوا كل أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي قال‏:‏ أخبرنا عبد الواحد بن علي بن محمد بن فهير قال‏:‏ أخبرنا أبو الفرج محمد بن فارس الغوري قال‏:‏ أخبرنا علي بن أحمد بن أبي قبيس قال‏:‏ حدثنا أبو بكر القرشي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال‏:‏ أخبرنا إبراهيم بن سعد بن محمد بن إسحاق قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام الله على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأدعوك بداعية الله عز وجل فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك ‏"‏‏.‏

فلما قرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شققه وقال‏:‏ يكتب إلي بهذا الكتاب وهو عبدي‏.‏

فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ مزق ملكه حين بلغه أنه شقق كتابه‏.‏

ثم كتب كسرى إلى باذان وهو على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به فبعث باذان قهرمانه وهو ابن بابويه - وكان كاتبًا حاسبًا - وبعث معه برجل من الفرس يقال له‏:‏ خرخسره وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى وقال لبابويه‏:‏ ويلك انظر ما الرجل وكلمه وأتي بخبره فخرجا حتى قدما الطائف فسألا عنه فقالوا هو بالمدينة واستبشروا وقالوا‏:‏ قد نصب له كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه بابويه وقال له‏:‏ إن شاهانشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك بأمره أن يأتيه بك وقد بعثني إليك لتنطلق معي فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ويكف عنك به وإن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب ديارك‏.‏

وكانا قد دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر إليهما وقال‏:‏ ‏"‏ ويلكما من أمركما بهذا قالا‏:‏ أمرنا بهذا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي ‏"‏‏.‏

ثم قال لهما‏:‏ ‏"‏ ارجعا حتى تأتياني غدًا ‏"‏‏.‏

وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء‏:‏ أن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهركذا وكذا من ليلة كذا وكذا من الليل‏.‏

فلما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما‏:‏ ‏"‏ إن ربي قد قتل ربكما ليلة كذا وكذا من شهر كذا وكذا بعد ما مضى من الليل سلط عليه ابنه شيرويه فقتله فقالا‏:‏ هل تدري ما تقول إنا قد نقمنا منك ما هو أيسر من هذا فنكتب بها عنك ونخبر الملك‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ نعم أخبراه ذلك عني وقولا له‏:‏ إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر ‏"‏ قولا له‏:‏ إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك من الأبناء ثم أعطى خرخسره منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك‏.‏

فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فأخبراه الخبر فقال‏:‏ والله ما هذا بكلام ملك وإني لأرى الرجل نبيًا كما يقول ولتنظرن ما قد قال ولئن كان ما قد قال حقًا ما في كلام إنه لنبي مرسل وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا‏.‏

فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه أما بعد فإني قد قتلت أبي كسرى ولم أقتله إلا غضبًا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب إليك فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه‏.‏

فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال‏:‏ إن هذا الرجل لرسول الله فأسلم الأبناء من فارس من كان منهم باليمن‏.‏

قال القرشي‏:‏ وأخبرنا لحي بن الجعد قال‏:‏ أخبرنا أبو معشر عن المقبري قال‏:‏ جاء فيروز الديلمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن كسرى كتب إلى باذان‏:‏ بلغني أن في أرضك رجلًا نبيًا فاربطه وابعثه إلي فقال‏:‏ إن ربي غضب على ربك فقتله ودمه يثخن الساعة فخرج من عنده فسمع الخبر فأسلم وحسن إسلامه‏.‏

قال علماء السير‏:‏ كان أبرويز قد جمع من الأموال ما لم يجمعه أحد ومن الجواهر والأمتعة والكرع وافتتح من بلاد أعدائه وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية وكان شديد الفطنة قوي الذكاء بعث الإصبهبذ مرة إلى الروم فأخذ خزائن الروم وبعثها إلى كسرى فخاف كسرى أن يتغير عليه الإصبهبذ لما قد نال من الظفر فبعث من يقتله فجاء إليه الرجل فرأى من عقله وتدبيره فقال‏:‏ مثل هذا لا يقتل فأخبره بما جاء لأجله فبعث إلى قيصر‏:‏ إني أريد أن ألقاك‏.‏

فالتقيا فقال له‏:‏ إن الخبيث قد هم بقتلي وإني أريد إهلاكه فاجعل لي من نفسك ما اطمأن إليه وأعطيك من بيوت أمواله مثل ما أصبت منك‏.‏

فأعطاه المواثيق‏.‏

فسار قيصر في أربعين ألفًا فنزل بكسرى فعلم كسرى كيف جرت الحال فدعا قسًا نصرانيًا فقال‏:‏ إني كاتب معك كتابًا لطيفًا لتبلغه إلى الإصبهبذ ولا تطلعن على ذلك أحدًا فأعطاه ألف دينار وقد علم كسرى أن القس يوصل كتابه إلى قيصر لأنه لا يحب هلاك الروم وكان في الكتاب‏:‏ إن الله قد أمكن منهم بتدبيرك فلا عدمت صواب الرأي وأنا ممهل قيصر حتى يقرب من المدائن ثم أغافله في يوم كذا فأغير على من قبلك فإنه استئصالهم فخرج القس بالكتاب فأوصله إلى قيصر فقال قيصر‏:‏ ما أراد إلا هلاكنا‏.‏

فانهزم واتبعه كسرى فنجى في شرذمة وبلغ من فطنة كسرى أن منجميه قالوا‏:‏ إنك ستقتل فقال‏:‏ لأقتلن من يقتلني‏.‏

فلما بعث ابنه إليه ليقتله قال للرجل‏:‏ إني أدلك على شيء فيه غناك الصندوق الفلاني‏.‏

فذهب إلى شيرويه فأخبره فأخرج الصندوق وفيه حق وفي الحق حب وهناك مكتوب‏:‏ من أخذ منه حبة افتض عشرة أبكار فأخذه شيرويه وأعطى الرجل مالًا ثم أخذ منه حبة فكان فيها هلاكه‏.‏

فكان كسرى أول ميت أخذ بثأره من حي‏.‏

قالوا‏:‏ كان كسرى يشتي بالمدائن ويصيف ما بينها وبين همذان وكانت له اثنا عشر ألف امرأة وجارية‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ كان في قصره ثلاثة آلاف امرأة يطؤهن وألوف جواري اتخذهن للخدمة والغناء وثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته وثمانية آلاف وخمسمائة دابة لمراكبه واثني عشر ألف بغلًا لثقله وكان له خمسون ألف دابة وألف فيل إلا واحدًا‏.‏

وبعضهم يقول‏:‏ سبعمائة وستون فيلًا وبنى بيوت النيران وأقام فيها اثني عشر ألف موبذ للزمزمة وأحصي ما جبي من خراج بلاده وغير ذلك من المال المرتفع في سنة ثمان عشرة من ثم حسد الناس على ما في أيديهم من المال وولي جباية الخراج من يظلم واحتقر الأشراف وأمر بقتل من في السجون وكانوا ستة وثلاثين ألفًا فتعلل المأمور وذهب الناس من العظماء إلى بابل وفيه شيرويه ابنه فأقبلوا به فلزموه ودخلوا به المدائن ليلًا فأطلق الأشراف ودخل دار المملكة واجتمع إليه الوجوه فملكوه وأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه‏.‏

واسم شيرويه قباذ بن أبرويز فلما ملك وحبس أباه دخل عليه عظماء الفرس فقالوا له‏:‏ إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان فإما أن تقتل كسرى ونحن راجعون لك بالطاعة وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة على ما كنا عليه فكسرته هذه المعادلة وأمر بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند فحمل كسرى على برذون وقنع رأسه وسير به إلى تلك الدار ومعه ناس من الجند فمروا به على إسكاف جالس في حانوت على الطريق فعرفه فحذفه بقالب فعطف إليه رجل من الجند فضرب عنقه‏.‏

وقال شيرويه لرجل‏:‏ انطلق إلى الملك أبينا فقل له‏:‏ إنا لم نكن للبلية التي أصبحت حيها ولا أحد من رعيتنا سببًا ولكن الله قضاها عليك جزاء لسيئ عملك وفتكك بأبيك هرمز وإزالتك الملك عنه وسملك عينيه وقتلك إياه شر قتلة ومنها سوء صنيعك إلى أبنائك ولقد حظرت علينا مجالسة الأخيار وكل من لنا فيه دعة وغبطة‏.‏

ومنها إساءتك إلى أهل السجون فلقوا الشدائد ومنها حبسك النساء لنفسك مكرهات مع ترك العطف عليهن ومنها ما انتهكت من رعيتك في أمر الخراج وجمعك الأموال من وجوه المضار وعدد عليه من هذا الفن ثم قال‏:‏ فإن كانت لك حجة فاذكرها وإلا فتب إلى الله تعالى حتى نأمر فيك بأمرنا‏.‏

فمضى الرجل فاستأذن عليه الحاجب فقال كسرى‏:‏ إن كان له إذن فليس لشيرويه ملك وإن كان لشيرويه ملك فلا إذن لنا معه‏.‏

فدخل الرجل فبلغ الرسالة وكانت بيد أبرويز سفرجلة فتدحرجت وتلوثت بالتراب فقال كسرى‏:‏ الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في إقباله وإذا أقبل أعيت الحيلة في إدباره فإن هذه السفرجله سقطت من علو ثم لم تلبث أن تلطخت بالتراب وفي ذلك دليل على سلب الملك فإنه لا يلبث في أيدي عقبنا حتى يصير إلى من ليس من أهل المملكة‏.‏

فلما سمع الرسالة قال‏:‏ بلغ عني شيرويه القصير العمر أنه لا ينبغي الذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب ولا اليسير من السيئة إلا بعد تحقق ذلك عنده ثم أخذ يعتذر عن ما نسب إليه‏.‏

فعاد بالجواب فعاد عظماء الفرس تقول‏:‏ لا يستقيم لنا ملكان فأمر شيرويه بقتل كسرى فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى فلما دخلوا عليه شتمهم فلم يقدموا على قتله فتقدم منهم شاب كان كسرى قد قطع يد أبيه فضربه بطبرزين على عاتقه فلم يحك فيه ففتش كسرى فإذا به قد شد على عضده خرزة لا يحبك السيف في من علقت عليه فنحيت عنه ثم ضربه أخرى فهلك‏.‏

وبلغ شيرويه فخرق جيبه وبكى منتحبًا وأمر بحمل جثته إلى الناس وشيعها العظماء وأمر بقتل قاتل كسرى‏.‏

وكان ملك كسرى ثمانيًا وثلاثين سنة وخلف في بيت المال يوم قتل من الورق أربعمائة ألف بدرة سوى الكنوز والذخائر والجواهر وآلات الملوك فلما ملك شيرويه لم يتمتع بشيء من اللذات بل جزع وبكى وعاش مهمومًا حزينًا ثم مات بعد ثمانية أشهر ويقال‏:‏ ستة أشهر‏.‏

أنبأنا محمد بن ناصر قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن الحسن بن خيرون قال أخبرنا الحسن بن الحسين بن دوما قال‏:‏ أخبرنا جدي لأبي إسحاق بن محمد الثعالبي قال أخبرنا عبد الله بن إسحاق المدائني قال‏:‏ أخبرنا قعنب بن المحور قال أخبرنا بكار قال حدثنا عوف عن غالب بن عجرد قال‏:‏ وجدنا صرة من حنطة في كنوز كسرى بن هرمز بن زياد فإذا كل حبة مثل النواة ووجدنا فيها كتابًا‏:‏ هذا ما كانت تنبت الأرض حين كان يعمل فيها بالصلاح زمن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام‏.‏

وأما النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه‏:‏ ‏"‏ بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة فإني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة فحملت بعيسى وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرًا ومعه نفر من المسلمين والسلام على من اتبع الهدى ‏"‏‏.‏

فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام‏.‏

أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى عليه السلام فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثفروقًا إنه كما قلت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قرينا ابن عمك وأصحابه وأشهد أنك رسول الله وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين وقد بعثت إليك يا نبي الله فإن شئت أن آتيك يا رسول الله فعلت وإني أشهد أن ما تقول حق والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وذكر أنه بعث ابنه في ستين من الحبشة في سفينة حتى إذا توسطوا البحر غرقتهم سفينتهم فهلكوا‏.‏

وقال الواقدي عن أشياخه‏:‏ إن أول رسول بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية إلى النجاشي وكتب إليه كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام ويتلو عليه القرآن فأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه على عينيه ونزل عن سريره وجلس على الأرض متواضعًا ثم أسلم وشهد شهادة الحق وقال‏:‏ لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابته وتصديقه وإسلامه على يدي جعفر بن أبي طالب‏.‏

وفي الكتاب الآخر يأمره أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب وكانت قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي متنصر هناك ومات وأمره صلى الله عليه وسلم في الكتاب أن يبعث لمن قبله من أصحابه وعلمهم ففعل ذلك‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وهذه الأخبار دالة على أن النجاشي هو الذي كانت الهجرة إلى أرضه‏.‏

وقد أخبرنا محمد بن عبيد الله قال‏:‏ أخبرنا نصر بن الحسن قال‏:‏ أخبرنا عبد الغافر بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أبو أحمد الجلودي قال‏:‏ أخبرنا ابراهيم بن محمد بن سفيان قال‏:‏ حدثنا مسلم بن الحجاج قال‏:‏ حدثني يوسف بن حماد قال‏:‏ أخبرنا عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أنس‏:‏ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ فعلى هذا يحتمل أن يكون كتب إلى آخر من ملوك الحبشة بعد أن كتب إلى ذاك‏.‏

وأما الحارث بن أبي شمر الغساني فروى الواقدي عن أشياخه قالوا‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابًا قال شجاع‏:‏ فأتيت إليه وهو بغوطة دمشق وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر وهو جاء من حمص إلى إيلياء فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه‏:‏ إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقال‏:‏ لا تصل إليه حيث يخرج يوم كذا وكذا وجعل حاجبه - وكان روميًا - يسألني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه فكنت أحدثه عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه فيرق حتى يغلبه البكاء ويقول‏:‏ إني قرأت الإنجيل فأجد صفة هذا النبي بعينه فأنا أؤمن به وأصدقه وأخاف من الحارث أن يقتلني وكان يكرمني ويحسن ضيافتي‏.‏

وخرج الحارث يومًا فجلس ووضع التاج على رأسه فأذن لي فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه ثم رمى به وقال‏:‏ من ينتزع مني ملكي أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته‏.‏

علي بالناس‏.‏

فلم يزل يعرض حتى قام وأمر بالخيول تنعل ثم قال‏:‏ أخبر صاحبك ما ترى‏.‏

وكتب إلى قيصر يخبره خبري وما عزم عليه فكتب إليه قيصر ألا تسير إليه وأله عنه ووافني بإيلياء فلما جاء جواب كتابه دعاني فقال‏:‏ متى تريد أن تخرج إلى صاحبك فقلت‏:‏ غدًا فأمر لي بمائة مثقال ذهب ووصلني حاجبه بنفقة وكسوة وقال‏:‏ أقرئ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال‏:‏ ‏"‏ باد ملكه ‏"‏‏.‏

ومات الحارث بن أبي شمر عام الفتح‏.‏

وأما هوذة بن علي الحنفي قال مؤلف الكتاب‏:‏ كان من الملوك العقلاء إلا أن التوفيق عزيز دخل على كسرى أبرويز فقال له‏:‏ أي أولادك أحب إليك قال‏:‏ الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم والمريض حتى يبرأ فقال‏:‏ ما غذاؤك قال‏:‏ الخبز فقال كسرى‏:‏ هذا عقل الخبز لا عقل اللبن والتمر‏.‏

وكان من يأكل الخبز عندهم ممدوحًا‏.‏

وروى الواقدي عن أشياخه قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابًا فقدم عليه فأنزله وحباه وقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب إليه وقال‏:‏ ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الأمر أتبعك وأجاز سليط بن عمرو جائزة وكساه أثوابًا من نسج هجر فقدم بذلك كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره عنه بما كان وما قال وقرأ كتابه وقال‏:‏ ‏"‏ لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت باد وباد ما في يديه ‏"‏‏.‏

فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جاءه جبريل عليه السلام وأخبره أنه قد مات‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ أهدى ابن أخي عيينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة يقال لها السمراء فأثابه ثلاثًا فسخط وقال‏:‏ ‏"‏ لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو دوسي ‏"‏‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ أجدبت الأرض فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس في رمضان‏.‏

وفيها‏:‏ سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الإبل فسبقت القصواء وسبق بالخيل فسبق فرس أبي بكر‏.‏

وفيها‏:‏ استجار أبو العاص بن الربيع بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجارته‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وردها إليه على ما أشرنا إليه في ذكر غزوة بدر وقد ذكرنا فيما تقدم أنه استجار بها فلعله أشير إلى هذه الحالة‏.‏

وفيها‏:‏ جاءت خولة بنت ثعلبة وكان زوجها أوس بن الصامت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ظاهر منها‏.‏

وفيها‏:‏ تزوج عمر بن الخطاب رضي الله عنه جميلة بنت ثابت فولدت له عاصمًا طلقها عمر‏.‏

وفيها‏:‏ وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمواله بثمغ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أم رومان بنت عامر بن عويمر‏:‏ تزوجها الحارث بن سخبرة فولدت له الطفيل ثم مات فتزوجها أبو بكر وأسلمت بمكة قديمًا وبايعت‏.‏

وولدت لأبي بكر رضي الله عنه‏:‏ عبد الرحمن وعائشة وهاجرت إلى المدينة وكانت صالحة وتوفيت في ذي الحجة من هذه السنة‏.‏

أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي قال‏:‏ أنبأنا أبو محمد الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن معروف قال‏:‏ حدثنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا عفان قال‏:‏ حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن القاسم بن محمد قال‏:‏ لما دليت أم رومان في قبرها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان ‏"‏ ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها‏.‏

عتبة بن أسيد بن جابر أبو بصير‏:‏ وكان حليفًا لبني زهرة أسلم بمكة قديمًا فحبسه المشركون عن الهجرة وذلك قبل عام الحديبية فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديبية وقاضى قريشًا على ما قاضاهم عليه وقدم المدينة أفلت أبو بصير من قومه فسار على قدميه سعيًا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب الأخنس بن شريق وأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا فيه أن يرده إليهم على ما اصطلحوا عليه وبعثاه مع خنيس بن جابر فخرج خنيس ومعه مولاه كوثر فدفعه إليهما فخرجا به فلما كانا بذي الحليفة عدى أبو بصير على خنيس فقتله وهرب كوثر حتى قدم المدينة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فرجع أبو بصير فقال‏:‏ وفت ذمتك يا رسول الله دفعتني إليهم فخشيت أن يفتنوني عن ديني فامتنعت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ خذه فاذهب به ‏"‏ فقال‏:‏ إني أخاف أن يقتلني فتركه ورجع إلى فجعل من بمكة من المحتبسين يتسللون إلى أبي بصير فاجتمع عنده منهم قريب من سبعين فجعلوا لا يظفرون بأحد من قريش إلا قتلوه ولا بعير لهم إلا اقتطعوها فكتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم ألا أدخل أبا بصير وأصحابه إليه فلا حاجة لنا بهم فكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير أن يقدم عليه مع أصحابه فجاءه الكتاب وهو يموت فجعل يقرأه ويقبله ويضعه على عينيه فمات وهو في يديه فغسله أصحابه وصلوا عليه ودفنوه هناك وبنوا عند قبره مسجدًا ثم ورموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فترحم عليه‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع من الهجرة

فمن الحوادث فيها‏:‏

 غزوة خيبر

في جمادى الأولى وخيبر على ثمانية برد من المدينة‏.‏

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالتهيؤ لغزوة خيبر وخرج واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة وأخرج معه أم سلمة زوجته فلما نزل بساحتهم أصبحوا وأفئدتهم تخفق وفتحوا حصونهم وغدوا إلى أعمالهم معهم المساحي والكرازين والمكاتل فلما نظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ محمد والخميس - يعنون بالخميس الجيش - فولو هاربين إلى حصونهم وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ‏"‏‏.‏

ووعظ الناس وفرق عليهم الرايات ولم تكن الرايات إلا يوم خيبر إنما كانت الألوية فكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم السوداء من بحرد لعائشة رضي الله عنها تدعى العقاب ولواؤه أبيض ودفعه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وراية إلى الحباب بن المنذر وراية إلى سعد بن عبادة وكان شعارهم‏:‏ يا منصور أمت‏.‏

وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتا فرس فقاتل المشركين وقاتلوه أشد قتال وقتلوا من أصحابه وقتل منهم وفتحها حصنًا حصنًا وهي حصون ذوات عدد منها‏:‏ النطاة ومنها حصن الصعب بن معاذ وحصن ناعم وحصن قلعة الزبير والشق وبه حصون منها‏:‏ حصن أبي وحصن النزار وحصون الكتيبة منها‏:‏ القموص والوطيح وسلالم وهو حصن ابن أبي الحقيق وأخذ كنز آل أبي الحقيق - وكانوا قد غيبوه في خربة - فدله الله عليه فاستخرجه وقتل منهم ثلاثة وتسعين رجلًا من يهود منهم‏:‏ الحارث أبو زينب ومرحب وأسير وياسر وعامر واستشهد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر أبو ضياح بن النعمان في خمسة عشر رجلًا وأمر بالغنائم فجمعت واستعمل عليها فروة بن عمر البياضي ثم أمر بذلك فجزئ خمسة أجزاء وكتب في سهم منها لله وأمر ببيع الأربعة أخماس في من يزيد فباعها فروة وقسم ذلك بين أصحابه‏.‏

وكان الذي ولي إحصاء الناس زيد بن ثابت فأحصاهم ألفًا وأربعمائة والخيل مائتي فرس وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة وقدم الأشعريون ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فلحقوه بها فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يشركوهم في الغنيمة ففعلوا وقدم جعفر بن أبي طالب وأهل السفينتين من عند النجاشي بعد فتح خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أما أدري بأيهما أسر‏:‏ بقدوم جعفر أو بفتح خيبر ‏"‏ وكانت صفية بنت حيي ممن سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأعتقها وتزوجها‏.‏

قال ابن عمر‏:‏ قاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم وغلبهم على الأرض والنخل فصالحهم على أن تحقن دماءهم ولهم ما حملت ركابهم وللنبي صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والسلاح ويخرجهم وشرطوا للنبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكتموه شيئًا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فلما وجد المال الذي غيبوه في مسك الجمل سبى نساءهم وغلبهم على الأرض والنخل ودفعها إليهم على الشطر فكان ابن رواحة يخرصها عليهم ويضمنهم الشطر‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي طاهر قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن معروف الخشاب قال حدثنا الحارس بن أسامة قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ حدثنا هاشم بن القاسم قال‏:‏ أخبرنا عكرمة بن عمار قال‏:‏ أخبرنا إياس بن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ أخبرني أبي قال‏:‏ بارز عمي يوم خيبر مرحب اليهودي فقال مرحب‏:‏ قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال عمي‏:‏ قد علمت خيبر أني عامر شاك السلاح بطل مغاور فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له فوقع السيف على ساقه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه فقال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ بطل عمل عامر قتل نفسه‏.‏

قال سلمة‏:‏ فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي فقلت‏:‏ يا رسول الله أبطل عمل عامر قال‏:‏ ‏"‏ ومن قال ذاك ‏"‏ قلت‏:‏ ناس أصحابك قال‏:‏ ‏"‏ كذب من قال ذاك بل له أجره مرتين ‏"‏ إنه حين خرج إلى خيبر جعل يرتجز بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم يسوق الركاب وهو يقول‏:‏ والكافرون قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ونحن عن فضلك ما استغنينا فثبت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ من هذا ‏"‏ قالوا‏:‏ عامر قال‏:‏ ‏"‏ غفر لك ربك ‏"‏ قال‏:‏ وما استغفر لإنسان قط يخصه إلا استشهد فلما سمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ يا رسول الله لو لا متعتنا بعامر فتقدم فاستشهد‏.‏

قال سلمة‏:‏ ثم إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أرسلني إلى علي وقال‏:‏ ‏"‏ لأعطين الراية اليوم رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فجئت به أقوده أرمد فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ثم أعطاه الراية فخرج مرحب يخطر بسيفه فقال‏:‏ قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال علي رضي الله عنه مجيبًا‏:‏ أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أو فيهم بالصاع كيل السندره قال ابن سعد‏:‏ وروي عن ابن عباس قال‏.‏

لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج من خيبر قال القوم‏:‏ الآن نعلم أسرية صفية أم امرأة فإن كانت امرأة فإنه سيحجبها وإلا فهي سرية فلما خرج أمر بستر يستر دونها الناس أنها امرأة فلما أرادت أن تركب أدنى فخذه منها لتركب عليها فأبت ووضعت ركبتها على فخذه ثم حملها فلما كان الليل نزل فدخل الفسطاط ودخلت معه وجاء أبو أيوب فبات عند الفسطاط فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع الحركة فقال‏:‏ ‏"‏ من هذا ‏"‏ فقال‏:‏ أنا أبو أيوب فقال‏:‏ ‏"‏ ما شأنك ‏"‏ قال‏:‏ يا رسول الله جارية شابة حديثة عهد بعرس وقد صنعت بزوجها ما صنعت فلم آمنها قلت إن تحركت كنت قريبًا منك‏.‏

فقال‏:‏ ‏"‏ رحمك الله يا أبا أيوب ‏"‏ مرتين‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ وأخبرنا عفان قال‏:‏ أخبرنا حماد بن سلمة قال‏:‏ أخبرنا ثابت عن أنس قال‏:‏ وقعت صفية في سهم دحية - وكانت جارية جميلة - فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس ودفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليمتها التمر والأقط أو السمن قال‏:‏ ففحصت الأرض أفاحيص وجيء بالأنطاع فوضعت فيها ثم جيء بالأقط والسمن والتمر فشبع الناس‏.‏

قال ابن سعد‏:‏ قال أنس‏:‏ كان في ذلك السبي صفية بنت حيي فصارت إلى دحية الكلبي ثم صارت بعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقها ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها‏.‏

قال محمد بن حبيب‏:‏ في هذه الغزاة أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان سهمًا وأسهم لمن غزا معه من اليهود‏.‏

وفيها‏:‏ سم رسول الله صلى الله عليه وسلم سمته زينب امرأة سلام بن مشكم أهدت له شاة مسمومة فأكل منها فدعاها رسول الله فاعترفت فقتلها ويقال‏:‏ بل عفى عنها‏.‏

 غزوة وادي القرى

ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر ذهب إلى وادي القرى وهي غزاة أيضًا‏.‏

وبعضهم يعدها مع خيبر واحدة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعد إلى منزله ولما نزل بوادي القرى حط رحله غلام له أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي فأتاه سهم غرب فقتله فقالت الصحابة‏:‏ هنيئًا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كلا والذي نفسي بيده إن شملته الآن لتلتهب عليه نارًا ‏"‏‏.‏

وكان غلها يوم خيبر‏.‏

وفيها‏:‏ نام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس حين أحد وعن أبي هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزاة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى أعرس وقال لبلال‏:‏ أكلأنا الليلة فصلى بلال ما قد رآه ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظًا ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ أي بلال ما هذا قال بلال‏:‏ أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال‏:‏ اقتادوا فاقتادوا رواحلهم شيئًا ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بلالًا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح فلما قضى الصلاة قال‏:‏ ‏"‏ من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله عز وجل قال‏:‏ ‏"‏ وأقم الصلاة لذكري ‏"‏‏.‏

ومن الحوادث في هذه السنة أن رسول الله كتب إلى النجاشي أن يزوجه أم حبيبة

وكانت قد خرجت مهاجرة إلى الحبشة وأن يبعث إليه من بقي من أصحابه من الذين هاجروا إلى الحبشة ففعل فقدموا المدينة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر فكلم ومن الحوادث في هذه السنة قتل شيرويه أباه كسرى إن شيرويه قتل أباه كسرى على ما سبق ذكره‏.‏

قال الواقدي‏:‏ كان ذلك في ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الآخرة سنة سبع لست ساعات مضت من الليل‏.‏

ومن الحوادث في هذه السنة

 هلاك شيرويه

فإنه لما أمر بقتل أبيه قتل معه سبعة عشر أخًا له ذوي أدب وشجاعة فابتلي بالأسقام وجزع بعد قتلهم جزعًا شديدًا إذا دخلت عليه أختاه‏:‏ بوران وآزرميدخت فأغلظتا له وقالتا‏:‏ حملك الحرص على ملك لا يتم لك على قتل أبيك وجميع أخوتك فبكى بكاء شديدًا ورمى بالتاج عن رأسه ولم يزل مدنفًا وفشى الطاعون في أيامه فهلك أكثر الناس‏.‏

ومن الحوادث في هذه السنة وصول هدية المقوقس فإنها وصلت في سنة سبع وهي‏:‏ مارية وسيرين ويعفور والدلدل‏.‏

وكانت بيضاء فاتخذ أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا ابن حيوية قال‏:‏ أخبرنا ابن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال‏:‏ بعث المقوقس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة سبع من الهجرة مارية وأختها سيرين وألف مثقال ذهبًا وعشرين ثوبًا لينًا وبغلته الدلدل وحماره يعفور‏:‏ وقال يعقوب‏:‏ ومعهم خصي يقال له‏:‏ مابور شيخ كبير كان أخا مارية وبعث بذلك كله مع حاطب بن أبي بلتعة فعرض حاطب على مارية الإسلام ورغبها فيه فأسلمت وأسلمت أختها وأقام الخصي على دينه حتى أسلم بالمدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معجبًا بأم إبراهيم وكانت بيضاء جميلة فأنزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العالية في المال الذي يقال له اليوم مشربة أم إبراهيم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلف إليها هناك وضرب عليها الحجاب وكان يطأها بملك اليمين فلما حملت ووضعت هناك وقبلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبو رافع زوج سلمى فبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبراهيم فوهب له عبدًا وذلك في ذي الحجة سنة ثمان وتنافست الأنصار في إبراهيم وأحبوا أن يفرغوا مارية لرسول الله صلى قال محمد بن سعد‏:‏ وأخبرنا محمد بن عمر عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن الزهري عن أنس بن مالك قال‏:‏ كانت أم إبراهيم في مشربتها وكان قبطي يأوي إليها ويأتيها بالماء والحطب فقال الناس في ذلك‏:‏ علج يدخل على علجة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فوجده على نخلة فلما رأى السيف وقع في نفسه فألقى الكساء الذي كان عليه وتكشف فإذا هو مجبوب فرجع علي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال‏:‏ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إذا أمرت أحدنا بالأمر ثم رأى غير ذلك أيراجعك قال‏:‏ نعم فأخبره بما رأى من القبطي‏.‏

قال مؤلف هذا الكتاب‏:‏ فإن قال قائل‏:‏ ظاهر هذا الحديث يدل على أن عليًا رضي الله عنه أراد قتله وقد روي في حديث آخر صريحًا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ ‏"‏ يا علي خذ السيف فإن وجدته عندها فاقتله ‏"‏‏.‏

فكيف يجوز القتل على التهمة فقد أجاب عنه ابن جرير الطبري وقال‏:‏ من الجائز أن يكون قد كان من أهل العهد وأنه لم يسلم وقد كان تقدم إليه بالنهي عن الدخول إلى مارية فلم يقبل فأمر قتله لنقض العهد‏.‏

ومن الحوادث

 سرية عمر بن الخطاب

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر رضي الله عنه في ثلاثين رجلًا إلى عجز هوازن بتربة - وهي بناحية العبلاء على أربع ليال من مكة طريق صنعاء ونجران - وخرج معه دليل من بني هلال فكان يسير الليل ويكمن النهار فأتى الخبر هوازن فهربوا وجاء عمر رضي الله عنه محالهم فلم يلق كيدًا فانصرف راجعًا إلى مكة‏.‏

ومن الحوادث

 سرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه

إلى بني كلاب بنجد ناحية ضرية أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار يرفعه عن محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا هاشم بن القاسم قال‏:‏ أخبرنا عكرمة بن عمار حدثنا إياس بن سلمة الأكوع عن أبيه قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى فزارة وخرجت معه حتى إذا ما دنونا من الماء عرس أبو بكر حتى إذا ما صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة فوردنا الماء فقتل أبو بكر من فتل ونحن معه - وكان شعارنا أمت أمت - فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين ورأيت عنقًا من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم قاموا فإذا امرأة من فزارة فيهم عليها قشع من أدم معها ابنتها من أحسن العرب فجئت أسوقهم إلى أبي بكر فنفلني ابنتها فلم أكشف لها ثوبًا حتى قدمت المدينة ثم باتت عندي فلم أكشف لها ثوبًا حتى لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال‏:‏ ‏"‏ يا سلمة هب لي المرأة ‏"‏ فقلت‏:‏ يا نبي الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا فسكت حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق ولم أكشف لها ثوبًا فقال‏:‏ ‏"‏ يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك ‏"‏ قال‏:‏ فقلت‏:‏ هي لك يا رسول الله‏.‏

فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ففدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين‏.‏

ومن الحوادث

 سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك

في شعبان وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشير بن سعد في ثلاثين رجلًا إلى بني مرة بفدك فخرج يلقى رعاء الشاة فسأل عن الناس فقيل‏:‏ في بواديهم فاستاق النعم والشاء وانحدر إلى المدينة فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركه الدهم منهم عند الليل فأتوا يرامونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير وأصبحوا فحمل المريون عليهم فأصابوا أصحاب بشير وقاتل بشير حتى ارتث وضرب كعبه فقيل قد مات ورجعوا بنعمهم وشائهم‏.‏

وقدم علبة بن زيد ومن الحوادث سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة في رمضان وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى الميفعة - وهي وراء بطن نخل إلى النقرة قليلًا بناحية نجد وبينها وبين المدينة ثمانية برد - في مائة وثلاثين رجلًا ودليلهم يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجموا عليهم جميعًا ووقعوا وسط مجالهم فقتلوا من أشرف لهم واستاقوا نعمًا وشاء فحدروه إلى المدينة ولم يأسروا أحدًا‏.‏

ومن الحوادث في هذه السرية‏:‏ قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ألا شققت عن قلبه فتعلم صادق هو أم كاذب ‏"‏ فقال أسامة‏:‏ لا أقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله‏.‏

ويروى أن قتل أسامة هذا الرجل كان في غير هذه السرية‏.‏

ومن الحوادث سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار في شوال وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعًا من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلىالله عليه وسلم بشير بن سعد فعقد له لواء وبعث معه ثلاثمائة رجل فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا إلى يمن وجبار فدنوا من القوم فأصابوا لهم نعمًا كثيرًا وتفرق الرعاء فحذروا الجمع فتفرقوا ولحقوا بعلياء بلادهم وخرج بشير في أصحابه حتى أتى محالهم فيجدها وليس فيها أحد فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين فأسروهما وقدم بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما فأرسلهما‏.‏

وفي هذه السنة قدم وفد الأشعريين أخبرنا محمد بن عبد الباقي أخبرنا الجوهري أخبرنا ابن حيويه أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد عن أشياخه قالوا‏:‏ قدم وفد الأشعريين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم خمسون رجلًا فيهم أبو موسى الأشعري وأخوة لهم ومعهم رجلان من عك وقدموا في سفن في البحر وخرجوا بجدة فلما دنوا في المدينة جعلوا يقولون‏:‏ غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه ثم قدموا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره بخيبر ثم لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوا وأسلموا فقال رسول وفي هذه السنة قدم الدوسيون قالوا‏:‏ ولما أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي دعا قومه فأسلموا وقدم معه منهم المدينة سبعون أو ثمانون أهل بيت وفيهم‏:‏ أبو هريرة وعبد الله بن إزيهر الدوسي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فساروا إليه فلقوه هناك ثم قدموا معه المدينة فقال أبو هريرة في هجرته حين خرج من دار قومه‏:‏ يا طولها من ليلة وعناءها على أنها من بلدة الكفر نجت ومن الحوادث عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم القضية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه حين رأوا هلال ذي القعدة أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدهم المشركون عنها بالحديبية وأن لا يتخلف أحد شهد الحديبية فلم يتخلف منهم أحد إلا من استشهد بخيبر ومن مات‏.‏

وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من المسلمين عمارًا فكانوا في عمرة القضية ألفين واستخلف على المدينة أبا رهم الغفاري وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم ستين بدنة وجعل على هديه ناجية بن جندب الأسلمي وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح البيض والدروع والرماح وقاد مائة فرس وخرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال وأخلوا مكة ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية التي تطلعه على الحجون وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى استلم الركن بمحجنه وعبد الله بن رواحة يقول‏:‏ خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخمر مع رسوله نحن ضربناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ضربًا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله يا رب إني مؤمن بقيله أخبرنا عمرو بن أبي حسن البسطامي أخبرنا أحمد بن منصور أخبرنا علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا الهيثم بن كليب أخبرنا أبو عيسى الترمذي قال‏:‏ حدثنا إسحاق بن منصور قال‏:‏ أخبرنا عبد الرزاق قال‏:‏ أخبرنا جعفر بن سليمان قال‏:‏ حدثنا ثابت عن أنس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضية وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول‏:‏ خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله فقال له عمر‏:‏ يا ابن رواحة بين يدي رسول الله وفي حرم الله تقول شعرًا فقال‏:‏ النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ خل عنه يا عمر فلهي أسرع فيهم من نضح النبل ‏"‏‏.‏

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا فأذن على ضهر الكعبة وأقام بمكة ثلاثًا فلما كان عند الظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحاطب بن عبد العزى فقالا‏:‏ قد انقضى أجلك فاخرج عنا فأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال‏:‏ ‏"‏ لا يمسين بها أحد من المسلمين ‏"‏‏.‏

وخرجت بنت حمزة فاختصم فيها علي وجعفر وزيد فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر لأن خالتها أسماء بنت عميس عنده‏.‏

وركب رسول الله عنه حتى نزل بسرف - وهي على عشرة أميال من مكة - فتزوج ميمونة بنت الحارث زوجه إياها العباس وكان يلي أمرها وهي أخت أم ولده وكانت آخر امرأة تزوجها وبنى بها في سرف‏.‏

ومن الحوادث في هذه السنة

 سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم

في ذي الحجة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ابن أبي العرجاء السلمي في خمسين رجلًا إلى بني سليم فخرج وتقدمه عين لهم كان معه فحذرهم فجمعوا فأتاهم وهم معدون له فدعاهم إلى الإسلام فأبوا فتراموا بالنبل وأصيب ابن أبي العوجاء جريحًا وقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان‏.‏

ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر بشر بن البراء بن معرور بن صخر‏:‏ شهد العقبة وكان من الرماة المذكورين وشهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر‏.‏

وأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشاة المسمومة فمات مكانه ويقال‏:‏ بل بقي سنة مريضًا ومات‏.‏

وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من سيدكم يا بني سلمة ‏"‏‏.‏

قالوا‏:‏ الجد بن قيس على أنه رجل فيه بخل‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ وأي داء أدوأ من البخل بل سيدكم بشر بن البراء بن معرور ‏"‏‏.‏

ثقيف بن عمر ويقال‏:‏ بقاف‏:‏ شهد بدرًا وتوفي في هذه السنة‏.‏

أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حليمة‏.‏

وذكر أبو نعيم الأصفهاني أن بعض العلماء اختلف في إسلامها‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي أخبرنا أبو محمد الجوهري أخبرنا أبو عمرو بن حيوية أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر عن غير واحد من أهل العلم قالوا‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل ثويبة وهو بمكة وكانت خديجة رضي الله عنها تكرمها وهي يومئذ مملوكة وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها فأبى أبو لهب فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتقها أبو لهب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها بصلة وكسوة حتى جاءه خبرها أنها قد توفيت سنة سبع مرجعه من خيبر فقال‏:‏ ‏"‏ ما فعل ابنها مسروح ‏"‏ فقيل‏:‏ مات قبلها ولم يبق من قرابتها أحد‏.‏

الحارث بن حاطب بن عمرو‏:‏ رده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء حين توجه إلى بدر إلى بنى عمرو بن عوف في حاجة له فضرب له بسهمه وأجره وكان كمن شهدها وشهد أحدًا والخندق والحديبية وخيبر وقتل يومئذ شهيدًا رماه رجل من فوق الحصن فدمغه‏.‏

بن عمرو بن لكيز يكنى أبا يزيد شهد بدرًا وهو ابن ثلاثين سنة وشهد أحدًا والخندق والحديبية وقتل بخيبر شهيدًا‏.‏

رفاعة بن مسروج قتل بخيبر‏.‏

سليم بن ثابت بن رقش‏:‏ أمه ليلى أخت حذيفة بن اليمان شهد أحدًا والخندق والحديبية وخيبر وقتل يومئذ شهيدًا‏.‏

عامر بن الأكوع‏:‏ أصاب نفسه بسيفه فمات على ما سبق ذكره‏.‏

عبد الله بن أبي لهب بن وهب‏:‏ قتل بخيبر‏.‏

عدي بن مرة بن سراقة قتل بخيبر‏.‏

عمارة بن عقبة‏:‏ قتل بخيبر‏.‏

وهو الذي يقال له‏:‏ شيرويه قتل أباه فأخذته الأسقام والحزن فبقي بعده ثمانية أشهر ويقال‏:‏ ستة أشهر ثم مات‏.‏

محمود بن مسلمة بن سلمة بن خالد‏:‏ شهد أحدًا والخندق والحديبية وخيبر ودليت عليه يومئذ رحى فأصابت رأسه فمكث ثلاثًا ثم مات وقبر هو وعامر بن الأكوع في قبر واحد في غار هناك‏.‏

الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم‏:‏ خرج مع قومه إلى بدر وهو على دينهم فأسره عبد الله بن جحش فقدم فدائه أخواه‏:‏ خالد وهشام فافتداه بأربعة آلاف وأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفديه بشكة أبيه وكانت درعًا فضفاضة وسيفًا وبيضة فأقيم ذلك مائة دينار‏.‏

فلما قبض ذلك خرجا بالوليد حتى بلغا ذا الحليفة فأفلت منهما فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال خالد‏:‏ هلا كان هذا قبل أن تفتدى وتخرج مأثرة أبينا من أيدينا قال‏:‏ ما كنت لأسلم حتى أفتدى ولا تقول قريش‏:‏ إنما اتبع محمدًا فرارًا من الفداء‏.‏

فلما دخل مكة حبسوه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة ‏"‏ ثم أفلت الوليد فقدم المدينة وبها توفي هذه يا عين بكي للوليد بن الوليد بن المغيرة كان الوليد بن الوليد أبو الوليد فتى العشيرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لا تقولي هكهذا ‏"‏ ولكن قولي‏:‏ ‏{‏وجاءت سكرة الموت بالحق‏}‏‏.‏

يسار الحبشي‏:‏ أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزار أخبرنا أبو محمد الجوهري أخبرنا عمرو بن حيويه أخبرنا ابن معروف أخبرنا ابن الفهم حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏‏.‏

كان يسار عبدًا لعامر اليهودي يرعى غنمًا له فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقع الإسلام بقلبه فأقبل بغنمه يسوقها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد إلى ما تدعو قال‏:‏ ‏"‏ إلى الإسلام تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ‏"‏ قال‏:‏ فما لي قال‏:‏ ‏"‏ الجنة إن ثبت على ذلك ‏"‏‏.‏

فأسلم وقال‏:‏ إن غنمي وديعة فقال‏:‏ ‏"‏ أخرجها من العسكر ثم صح بها وارميها بحصيات فإن الله سيؤدي عنك أمانتك ‏"‏ ففعل فخرجت الغنم إلى سيدها فعلم اليهودي أن غلامه قد أسلم‏.‏

وخرج علي رضي الله عنه بالراية وتبعه العبد الأسود فقاتل حتى قتل‏.‏

فاحتمل فادخل خباء من أخبية العسكر فاطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخباء فقال‏:‏ ‏"‏ لقد أكرم الله هذا العبد الأسود وساقه إلى خير قد رأب زوجتين من الحور العين عند رأسه‏.‏

 سنة ثمان من الهجرة

فمن الحوادث فيها‏:‏

 ملك أردشير بن شيرويه

وكان له سبع سنين لأنه لم يكن هناك محتنك من أهل بيت المملكة وكان شهر براز الذي ذكرنا أن أبرويز استعمله في قتال هرقل قد احتقر أردشير فأقبل إليه فحاصره وخدع بعض حرسه ففتح له المدينة فقتل خلقًا من الرؤساء واستصفى أموالهم وفضح نساءهم وقتل أردشير وملك‏.‏

وامتعض قوم من قتله أردشير فتحالفوا على قتله فقتلوه وجروه بحبل‏.‏

ومن الحوادث

 ملك بوران بنت كسرى أبرويز

أنهم ملكوا بعده بوران بنت كسرى فقالت يوم ملكت‏:‏ البر أوثر وبالعدل آمر واستوزرت فسفروخ وأحسنت السيرة وبسطت العدل ورممت القناطر ووضعت بقايا من الخراج وكتبت إلى الناس تعلمهم ما هي عليه من الإحسان إليهم وأنهم سيعرفون بمكايدها أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد ولا بمكايدهم ينال الظفر وإنما ذلك بعون الله وردت خشبة الصليب على ملك الروم وكان ملكها سنة وأربعة أشهر‏.‏

ولما بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ملك جشنسدة ثم ملك من بعد بوران رجل يقال له جشنسدة من بني عم ابرويز وكان ملكه أقل من شهر‏.‏

ملك آزر ميدخت بنت كسرى ثم ملكت آزر ميدخت بنت كسرى قالت‏:‏ حين ملكت‏:‏ منهاجنا منهاج أبينا كسرى وكان عظيم فارس يومئذ فزخهرمز فأرسل إليها فسألها أن يتزوجها فأرسلت إليه‏:‏ إن التزويج للملكة غير جائز ولكن صر إلي ليلة ذا وكذا فإن مرادك قضاء الشهوة وتقدمت إلى صاحب حرسها بقتله فجاء فقتل ورمي في رحبة المملكة فبلغ الخبر إلى ولده رستم فأقبل في جند عظيم وسمل عيني إزر ميدخت ثم قتلها وكان ملكها ستة أشهر‏.‏

كسرى بن مهراجشنس ثم أتي برجل من عقب أردشير بن بابك فملكوه ثم قتل بعد أيام ثم ولوا غيره وقتل‏.‏

 ملك يزدجر بن شهريار بن أبرويز

ثم ولي يزدجرد بن شهريار بن أبرويز وكان المنجمون قد قالوا‏:‏ سيولد لبعض ولدك غلام يكون ذهاب هذا الملك على يديه وعلامته نقص في بعض بدنه فمنع ولده من النساء فمكثوا حينًا لا يصلون إلى امرأة فشكى شهريار إلى شيرين الشبق وسألها أن تدخل إليه امرأة وإلا قتل نفسه وكانت شيرين قد تبنت شهريار فأرسلت إليه‏:‏ إني لا أقدر على إدخال امرأة إليك إلا أن تكون لا يؤبه لها ولا يجمل بك أن تمسها فقال‏:‏ أنا لست أبالي ما كانت فأرسلت إليه بجارية كانت تحجم وكانت فيما يزعمون من بنات أشرافهم إلا أن شيرين كانت غضبت عليها فأسلمتها في الحجامين فلما دخلت عليه وثب عليها فحملت بيزدجرد فأمرت بها شيرين فقصرت حتى ولدت وكتمت أمر الولد خمس سنين ثم إنها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر فقالت له‏:‏ هل يسرك أيها الملك أن ترى ولدًا لبعض بنيك على ما كان فيه من المكروه فقال لا أبالي فأمرت بيزدجرد فطيب وحلي وأدخلته عليه وقالت‏:‏ هذا يزدجرد بن شهريار‏.‏

فأجلسه في حجره وقبله وعطف عليه وأحبه حبًا شديدًا وكان يبيته معه فبينما هو يلعب ذات يوم بين يديه إذ ذكر ما قيل له فعراه عن ثيابه فاستبان النقص في إحدى وركيه فاستشاط غضبًا وحمله ليجلد به الأرض فتعلقت به شيرين وناشدته الله ألا يقتله وقالت له‏:‏ إن يكن أمر قد حضر في هذا الملك فليس له مرد‏.‏

فقال‏:‏ إن هذا المشؤوم الذي أخبرت عنه المنجمون فأخرجيه فلا أنظر إليه فأمرت به فحمل إلى سجستان‏.‏

وقيل‏:‏ بل كان في السواد عند ظؤورته‏.‏

وقيل‏:‏ لما قتل شيرويه أخوته هرب يزدجرد إلى إصطخر ثم آل الأمر إلى أن ملك وقتل في زمان خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه وانقضى ملك الفرس‏.‏

ومن الحوادث في هذه السنة إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة‏.‏

فقدموا المدينة في صفر وكان عمرو لما رأى ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى النجاشي فرأى النجاشي يدعو إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج قاصدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه خالد بن الوليد وهو على تلك النية فأسلموا‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ وقصتهم ستأتي في أخبار عمرو بن العاص وخالد بن الوليد رضي الله عنهما‏.‏

وفي هذه السنة

 تزوج رسول الله فاطمة بنت الضحاك الكلابية

فاستعاذت منه أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف أخبرنا محمد بن عبد الملك حدثنا علي بن عمر الدارقطني حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا الوليد عن الأوزاعي قال‏:‏ حدثني الزهري وسألته‏:‏ أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استعاذت منه فقال‏:‏ أخبرني عروة عن عائشة‏:‏ أن ابنة الجون الكلابية لما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدنا منها فقالت‏:‏ أعوذ بالله منك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ عذت بعظيم الحقي بأهلك ‏"‏‏.‏

ومن الحوادث

 سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح بالكديد

في صفر قال جندب بن مكيث الجهني‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الليثي في سرية وكنت فيهم فأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح‏.‏

فخرجنا حتى إذا كنا بالكديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال‏:‏ إنما جئت أريد الإسلام قلنا إن تكن مسلمًا فلا يضرك رباطنا يومًا وليلة‏.‏

فشددناه وثاقًا وخلفنا عليه رويجلا منا أسود وقلنا‏:‏ إن ناوشك فجز رأسه فسرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس وكمنا في ناحية الوادي وبعثني أصحابي ربيئة لهم فخرجت حتى آتي مشرفًا على الحاضر يطلعني عليهم إذ خرج رجل فقال لامرأته‏:‏ إني لأرى على هذا الجبل سوادًا ما رأيته أول من يومي هذا فانظري إلى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئًا فنظرت فقالت‏:‏ لا فقال‏:‏ فناوليني قوسي وسهمي فأرسل سهما فوالله ما أخطأ بين عيني فانتزعته وثبت مكاني ثم أرسل آخر فوضعه في منكبي فانتزعته ووضعته وثبت مكاني فقال‏:‏ والله لو كان ربيئة لقد تحرك‏.‏

ثم دخل وراحت الماشية فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنوا فناموا شننا عليهم الغارة واستقنا النعم‏.‏

فخرج صريخ القوم في قومهم فجاء ما لا قبل لنا به فخرجنا بها نحدرها حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه وأدركنا القوم ما بيننا وبينهم إلا الوادي إذ جاء الله بالوادي من حيث شاء والله ما رأينا سحابًا يومئذ فامتلأ جنباه ماء ولقد رأيتهم وقوفًا ينظرون إلينا‏.‏

وفيها سرية غالب أيضًا إلى مصاب أصحاب بشير من سعد بفدك في صفر أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر البزاز أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري أخبرنا أبو عمرو بن حيويه أخبرنا أحمد بن معروف الخشاب أخبرنا الحارث بن أبي إسامة أخبرنا محمد بن سعد أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال‏:‏ هيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام وقال له‏:‏ ‏"‏ سر حتى تنتهي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم ‏"‏ وهيأ معهم مائتي رجل وعقد لواء فقدم غالب بن عبد الله الليثي من سريته من الكديد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير‏:‏ ‏"‏ اجلس ‏"‏ وبعث غالب في مائتي رجل وخرج أسامة بن زيد فيها حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير وخرج معه علبة بن زيد فيها فأصابوا نعمًا وقتلوا منهم قتلى‏.‏

وفيها سرية شجاع بن وهب إلى بني عامر في ربيع الأول قال عمر بن الحكم‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلًا إلى جمع من هوازن فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم وهم غارون فأصابوا نعمًا كثيرًا وشاء واستاقوا ذلك وغابوا خمس عشرة ليلة‏:‏ ومن الحوادث سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح وهي من وراء وادي القرى - في شهر ربيع الأول‏.‏

قال الزهري‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلًا حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام فوجدوا جمعًا فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا ورموهم بالنبل فقاتل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى قتلوا وأفلت منهم رجل جريح في القتلى فتحامل حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فشق عليه‏.‏

ومن الحوادث اتخاذ المنبر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل‏:‏ في سنة سبع والأول أصح‏.‏

أخبرنا هبة الله بن محمد أخبرنا الحسن بن علي التميمي أخبرنا أحمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا وكيع قال‏:‏ حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع نخلة قال‏:‏ فقالت امرأة من الأنصار كان لها غلام نجار‏:‏ يا رسول الله إن لي غلامًا نجارًا أفلا آمره أن يتخذ لك منبرًا تخطب عليه قال‏:‏ بلى‏.‏

قال‏:‏ فاتخذ له منبرًا قال‏:‏ فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر قال‏:‏ فأن الجذع الذي كان يقوم عليه كما يئن الصبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن هذا بكى لما فقد من الذكر ‏"‏‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزار حدثنا أبو محمد الجوهري أخبرنا ابن حيويه أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال‏:‏ أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن ابن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشًا فكان يخطب إلى ذلك الجذع فقال رجل من أصحابه‏:‏ يا رسول الله هل لك أن أعمل لك منبرًا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك الناس وتسمعهم خطبتك قال‏:‏ نعم‏.‏

فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي على المنبر أعلى المنبر فلما صنع المنبر ووضع في موضعه وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم على المنبر فمر إليه خار الجذع حتى تصدع وانشق فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحه بيده حتى سكن ثم رجع إلى المنبر وكان إذا صلى صلى إلى ذلك الجذع فلما هدم المسجد وغير أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده في داره حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتًا‏.‏

وفي هذه السنة

 سرية مؤتة

وهي بأدنى البلقاء دون دمشق في جمادى الأولى سنة ثمان‏.‏

لهب إلى ملك بصرى بكتاب فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف وهم ثلاثة آلاف فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أمير الناس زيد بن حارثة فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون منهم رجلًا وعقد لهم صلى الله عليه وسلم لواء أبيض وخرج مشيعًا لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم وأمرهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام فإن أجابوا وإلا قاتلوهم‏.‏

فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام فيهم شرحبيل فجمع أكثر من مائة ألف فمضوا إلى مؤته ووافاهم المشركون بما لا قبل لهم به فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل ثم أخذه جعفر فقاتل حتى قتل ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوجد في أحد نصفيه أحد وثلاثون جرحًا ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ اللواء وانكشف الناس فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون فقتل ثمانية ممن يعرف من المسلمين ورفعت الأرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظر إلى معترك القوم‏.‏

فلما أخذ اللواء خالد بن الوليد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الآن حمي الوطيس ‏"‏‏.‏

فلما سمع أهل المدينة بجيش مؤتة قادمين تلقوهم بالجرف فجعل الناس يحثون في وجوههم التراب ويقولون‏:‏ يا فرار أفررتم في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ليسوا بفرار ولكنهم كرار إن شاء الله تعالى ‏"‏‏.‏